فسحة للرأي

فوضى يا فوضى

د. صبري صيدم |
فوضى يا فوضى

 كتب - د. صبري صيدم:  من السذاجة بمكان أن نعتقد أن ما قالته ذات يوم وزيرة خارجية أمريكا كونداليزا رايس عن الفوضى الخلاقة، كان بمثابة الفكرة العابرة والنشاط الفكري المؤقت والعنوان البراق المرحلي. رايس كانت تتحدث عن حقبة جديدة في إعادة رسم خريطة العالم وتغيير أولوياته.

شرارة الانطلاق في مشروع الفوضى كانت مع انهيار برجي التجارة في نيويورك في سبتمبر/أيلول 2001، وبدء مشروع تدمير العراق، وما سمي بالربيع العربي، وتصاعد دور التطرف الديني، وتشرذم خرائط الدول، وانطلاق عجلة التطبيع وتغيير أولويات المواطن العربي، لتصبح فلسطين والقدس آخر الأولويات، وصولاً إلى ولادة الخريطة المسخ التي عرضها ترامب بإعداد الصهاينة وأزلامهم وطاقمه المتصهين تحت مسمى صفقة القرن .
فوضى رايس لا تقف عند الأشخاص، بل تتمحور حول المشروع المتوافق عليه مع أركان الصهيونية العالمية، ليكون الأشخاص بمثابة أحجار الشطرنج القابلة للتغيير والتبدل، وبهذا تكون دولة الاحتلال دولة المشروع، ويكون شعبها شعب الدولة لا الفرد. جاء نتنياهو أم ذهب، فإن المشروع ماض لا محالة، بينما يبقى العالم العربي مشروع الحزب والأفراد، لا الفكرة ولا حتى الدولة، بحيث يكون الارتباط بالأحزاب والأشخاص أسمى من الارتباط باستقرار الوطن فإن هم انقسموا انقسم المجتمع وضاع الوطن.
وعليه فإن تقييم الأداء مرتبط بتنفيذ الخطة، ومعالم الفوضى، لا بمسلكيات الزعماء أو أخلاقهم. فلو أن الهدف كان الشخص لتأثرت إسرائيل منذ عقود، لا سيما وأن معظم زعماء دولة الاحتلال قد ضربتهم قضايا الفساد والعلاقات الجنسية، وصولاً إلى المحاكم والسجن أو الانتحار السياسي.
لذلك من الحكمة أن يعي الجميع ضرورة عدم تكرار أخطاء الماضي، أو الوقوع في الفخ ذاته الذي وقع به البعض أيام حماستهم لتولي حزب العمل الإسرائيلي للسلطة، باعتباره يجنح نحو السلم المزعوم، لينصدم هؤلاء مع خطاب النصر، الذي ألقاه إيهود باراك عقب فوزه بالانتخابات في اليوم التالي، عندها أعلن لاءاته الأربعة: لا لدولة فلسطين على حدود الرابع من يونيو/حزيران، ولا للقدس عاصمة لفلسطين ولا لعودة اللاجئين ولا لعودة الأغوار للسيادة الفلسطينية.. أليس ما جاء به ترامب اليوم يحمل المضامين ذاتها؟
لذلك علينا أن لا نعزف على قيثارة زعيم حزب أزرق أبيض بيني غانتس لنقول بأنه مختلف، وأنه لن يضم الأغوار، ولن ينفذ خطة ترامب! هذا طبعاً هراء فمشروع الفوضى الخلاقة ما زال مستمراً وهو قيد التطبيق فاز غانتس أم لم يفز.. عاد نتنياهو أم لم يعد. دولة الاحتلال دولة عميقة لديها مشروع وضعه صقور الإدارات الأمريكية المتعاقبة مثل كيسنجر وإليوت أبرامز والقائمة تطول، ممن صاغوا ميكانيزمات بقاء الدولة وتطورها وثباتها.
إن التهديد الوحيد لاستدامة مشروع ترامب وفوضاه المميتة هو في فوز القائمة العربية المشتركة في انتخابات الكنيست وتحقيقها لعدد أكبر من المقاعد لخلق الفرق المهم في تفاصيل صناعة القرار الإسرائيلي.
الفرق كبير إذن بين دولة المشروع ومشروع حماية الدولة من جهة، ومشروع الشخص والحزب ومشروع حماية الاثنين معا.

أضف تعليقاً المزيد