فسحة للرأي

هذا الحراك الفلسطيني في تركيا

ماجد عزام |
هذا الحراك الفلسطيني في تركيا

 كتب - ماجد عزام *  شهدت أنقرة حراكاً فلسطينياً ثنائياً وثلاثياً لافتاً الأربعاء الماضي، حيث استضاف الرئيس رجب طيب أردوغان نظيره الفلسطيني محمود عباس، الذي التقى في القصر الرئاسي التركي رئيس المكتب السياسي لحركة حماس إسماعيل هنية، قبل أن يستضيفهما الرئيس أردوغان معاً في لقاء ثلاثي. وتركز الاهتمام الإعلامي، خصوصا العربي وبشكل مفهوم، على لقاء أردوغان عباس هنية، إلا أن اللقاءات الأخرى تستحقّ الاهتمام أيضا، سواء في السياق التركي - الفلسطيني، أو الفلسطيني - الفلسطيني وحتى الإقليمي بشكل عام.

عموماً، لفهم المشهد، لا بد من تفكيكه أولا ووضعه في سياقاته الثنائية الثلاثية، وحتى الإقليمية بشكل عام، في ضوء مركزية القضية الفلسطينية، وتصاعد مكانة تركيا وحضورها ونفوذها في المنطقة، وحتى في العالم خلال السنوات الماضية.
بداية، حرص الرئيس أردوغان على لقاء محمود عبّاس قبل أيام من زيارة كانت مقرّرة لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو إلى تركيا، وأُجلت في اللحظات الأخيرة إثر الوعكة الصحية التي اضطر نتنياهو على أثرها للدخول إلى المستشفى، والبقاء عدة أيام تحت الرعاية الطبية. وهنا بدت أنقرة مهتمة بإيصال رسالة مفادها أن دعمها الشعب الفلسطيني لم ولن يتأثر بتحسين مستوى العلاقات مع إسرائيل ورفعه، وأن ذلك لن يكون بأي حال على حساب الموقف من قضية فلسطين التي تحتل حيّزاً جوهرياً ومهماً في وجدان الشعب وعواطفه، حسب التعبير الحرفي للرئيس التركي.

جدّد أردوغان المطالبة أو النصيحة بالمصالحة والوحدة الفلسطينية الداخلية، وإنهاء الانقسام الفلسطيني الضارّ

عرض أردوغان في اللقاء الثنائي مع عبّاس المعطيات والثوابت السابقة مع الاستعداد الدائم والتقليدي لدعم الرؤية الفلسطينية، وتقديم المساعدة في كل ما تطلبه القيادة، إضافة إلى مواصلة الدعم الاقتصادي والاجتماعي للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع التأكيد على رفض الممارسات الإسرائيلية الاستيطانية ومحاولات تغيير الواقع الراهن في المسجد الأقصى كما رفض الحصار ضد القطاع. وجدّد أردوغان كذلك المطالبة أو النصيحة للدّقة بالمصالحة والوحدة الفلسطينية الداخلية، وإنهاء الانقسام الفلسطيني الضارّ، والمفيد فقط لأعداء السلام في المنطقة، ولذلك طلب من عبّاس الاجتماع مع هنيّة الموجود بتركيا أيضا. وهذا طلب لا يمكن رفضه، ولا يمكن فهم واستيعاب أن يطلب الفلسطينيون المساعدة من تركيا والعالم، ولا يساعدون هم أنفسهم، مع الإقرار بالآثار والتداعيات السلبية للانقسام على المصالح والحقوق الفلسطينية والقضية العادلة، خصوصا مع التوافق نظرياً على ضرورة الوحدة في مواجهة سياسات وممارسات الحكومة الأكثر تطرّفا في إسرائيل.
بدا عبّاس محرجاً ومجبراً وقبل اللقاء على مضض، ليس للحرص على الوساطة المصرية الحصرية، أو شبه الحصرية، بالقضية الفلسطينية بأبعادها الداخلية والخارجية، وهيئته ولغة جسده كانت ظاهرة وواضحة تماما مثل ما كان الحال عندما دفعه الرئيس عبد المجيد تبّون لمصافحة هنيّة في يوليو/ تموز 2022 في أثناء الاحتفال بالعيد الوطني في الجزائر.
يتصرّف عبّاس وكأنه رئيس وقائد للشعب الفلسطيني، لا مسؤول فصيل، أي أنه أعلى رتبة من هنيّة، ولذلك عادة ما يرسل شخصيات وقيادات رفيعة أخرى من حركة فتح إلى اللقاءات مع "حماس"، وتبدّى هذا في لقاء الأمناء العامين عبر تقنية الفيديو كونفرنس بين رام الله وبيروت قبل أربع سنوات تقريبا، كما في لقاءات الجزائر ومصر. ولكن لم يكن في وسعه الرفض مع طلبه المساعدة من تركيا بعد الإشادة بحضورها ومكانتها المتصاعدة إقليمياً ودولياً، مع الانتباه إلى أنها (تركيا) لا تتصرف باعتبارها وسيطا، وإنما تسعى إلى جمع الطرفين وتشجيعهم على اللقاء فقط ومن دون تأثير سلبي على دور القاهرة واجتماع الأمناء العامين (أمس الأحد)، بل على العكس، لتهيئة أسباب النجاح له.

رفض عبّاس مطلب "حماس" الإفراج عن المعتقلين السياسيين - الأمنيين في الضفة الغربية، رابطاً ملفهم بلقاء الأمناء العامين في القاهرة

طرح الرئيس أردوغان، في اللقاء الثلاثي أيضا، المعطيات السابقة، وكان دورُه أقرب إلى الاستضافة والتشجيع، ولذلك جرت برمجته بعد الثنائي المباشر والمنفرد بين عبّاس وهنية (والوفدين المرافقين)، ومن دون حضور أي مسؤول تركي، والذي جاء صريحاً وعميقاً، ولذلك تبدّت الهوة أو المقاربة المختلفة للتطوّرات والمستجدات، حتى مع التوافق على خطورة حكومة نتنياهو وبتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير وضرورة التصدّي لها. وطرح عبّاس مواقفه التقليدية عن المقاومة الشعبية السلمية ووجود سلاح واحد في مناطق السلطة وحكومة وحدة وطنية تلتزم بالشرعية الدولية مع انضمام الجميع إلى منظمة التحرير ممثلا شرعيا وحيدا للشعب الفلسطيني، وفق البرنامج أو النهج السياسي الراهن، من دون أي حديث عن إصلاحها أو إعادة بنائها. وطرح إسماعيل هنيّة فكرة المقاومة بأشكالها كافة، "بما فيها المسلحة" وعدم منازعة السلطة أو تهديدها، بل مواجهة الاحتلال فقط، كما رفض الالتزام بالشرعية الدولية، بينما رفض عبّاس مطلب "حماس" الإفراج عن المعتقلين السياسيين - الأمنيين في الضفة الغربية، رابطا ملفهم بلقاء الأمناء العامين في القاهرة لانتزاع مقابل، أو حتى الإيحاء بتقديم ثمن مقابل صورة تظهره على رأس الاجتماع قائدا للفصائل والشعب الفلسطيني، ما مثّل أحد أسباب الدعوة للقاء المباشر في مصر، لا عبر تقنية الفيديو كونفرنس بين رام الله وبيروت، كما جرى منذ أربعة أعوام تقريباً.
واضحٌ، بالطبع، أن الهوّة لا تزال على حالها بين الطرفين، أما الخلل المنهجي فيتمثل في أن عبّاس تغاضى عن تآكل (وانهيار) شرعية السلطة نفسها بغياب الانتخابات، وهو ليس مالك منظمّة التحرير مع مجلس وطني (برلمان) معيّن كذلك، واجتماعاته أقرب إلى المهرجانات، واللجنة التنفيذية (الحكومة التي تديرها) غير دستورية وغير ميثاقية، وبالتالي لا يمكنه التصرّف وكأنه يتفضّل بدعوة الآخرين إلى الانضمام والالتحاق به وفق برنامجه وتحت قيادته، كونه لا يملك تفويضا شعبيا ديمقراطيا للحكم والقيادة.

لا يملك عبّاس أي صلاحية أو أفضلية لفرض رؤيته وبرنامجه السياسي على الآخرين

في وجود السلطة، لا تبدو حركة حماس مقتنعة بإمكانية حرب أو جولات تصعيد رغم أن سلطتها في غزّة احتاجت إلى 15 سنة تقريباً وأربع حروب صغيرة وعشرات من جولات التصعيد والقتال الأصغر. ولذلك رفضت المشاركة في آخر جولتي قتال 2022 و2023. وعمليا تركت الجهاد الإسلامي وحدها في الميدان، حيث تعرّضت هذه للتنكيل وقصم ظهرها. وضمن أسباب عديدة، هربت نحو الضفة الغربية، كي تحقق في جنين ما عجزت عنه وبات من المستحيل تحقيقه في غزة.
وفي ما يخصّ الشرعية الدولية، فبالإمكان إظهار الاحترام لا الالتزام بها، وبإمكان حكومة الوحدة أن تستند إلى برنامج مرحلي مقلّص ومحدّد، يتضمّن إنهاء الانقسام وتوحيد المؤسّسات وتفويض منظمة التحرير بالشق السياسي حتى إجراء الانتخابات لمجلس السلطة (التشريعي) ووطني المنظمة معاً، أي الحزمة الانتخابية الكاملة. أما البرنامج السياسي العام والشامل فتضعه اللجنة التنفيذية المنتخبة من المجلس الوطني المنتخب بدوره أو المنتخب في الداخل والمعيّن في الخارج في ضوء نتائج انتخابات التشريعي. وعليه، لا يملك عبّاس أي صلاحية أو أفضلية لفرض رؤيته وبرنامجه السياسي على الآخرين، ناهيك عن وصوله إلى طريق مسدود أصلاً وانتهاء حقبة منظمة التحرير الثانية، منظمة الشهيد ياسر عرفات والفدائيين، منذ زمن طويل، إثر فشل اتفاق أوسلو وعملية التسوية وخيار المفاوضات، ثم المفاوضات التي فاز فيها وترشّح على أساسها عبّاس للانتخابات الرئاسية 2005، من دون منافسة جدّية في الظرف الاستثنائي الذي أعقب رحيل عرفات.
في العموم، قدّمت لقاءات أنقرة الثنائية والثلاثية صورة عن المشهد التركي والفلسطيني والإقليمي أيضاً، حيث مكانة تركيا المتصاعدة ونظرة الاحترام والأمل إليها من أكبر تنظيميْن فلسطينيين وسلطتي رام الله وغزة، بينما قدّم لقاؤهما الثنائي، ونظراً إلى أجندة الطرفين المتعارضة، فكرة عامة عن اجتماع الأمناء العامين في القاهرة. ومع اصطفاف الفصائل الصغرى بشكلٍ متعادل تقريبا بين حركتي فتح وحماس، سيكون الاجتماع دعاية وعلاقات عامة بالنسبة لعباس لتعويمه وشرعنته مع مكاسب للنظام المصري، المستفيد أيضا من جمع الفصائل مرّة أخرى تحت رعايته. بينما ستسعى "حماس"، التي لم يكن بإمكانها رفض الحضور رغم معرفتها بخلفياته والتوقعات المتواضعة منه، إلى تحقيق أقصى استفادة بعرض مواقفها وفرض نفسها لاعباً لا يمكن تجاوزُه، وأنها تتمتع حتى بتأييد ودعم وتفويض شعبي أكثر بكثير من عبّاس نفسه.

 

* كاتب فلسطيني مقيم في تركيا

أضف تعليقاً المزيد