شبكة اخباريات/ تقرير محمد عثمان - غزة: من يعتقد أن التاريخ مجرد سنوات وأحداث فهو خاطئ, وإنما آثار تذكر في تلك الأحداث وتثبت تلك السنوات, فكم جميل أن ترى ذلك التاريخ مرتبا أمامك بأعمدته وحجارته وأبنيته حجرا فوق حجر وطبقة فوق طبقة وعام فوق عام, وكم هو قبيح وصعب أن ترى ذلك التاريخ متناثر بحجارته, ضائعا بين إهمال هنا وإهمال هناك تتقاذفه أيدي العابثين فيه دون خجل أو وجل غاضين الطرف عن تاريخ صيغ على مدار آلاف ومئات السنين كما حدث ويحدث في قطاع غزة.
إهمال ثم إهمال ثم إهمال..
ما أن تخطو بقدميك فيها عابرا إلى احد أزقتها الضيقة المعمرة بالبيوت القديمة ذي الطراز المعماري الإسلامي العربي أو إلى أحد الشوارع العريضة التي يتعانق فيها الجامع مع الكنيسة وتستقر بالقرب منهما حارة اليهود القديمة فيما كانوا يشكلون قديما صورة من أجمل صور التعايش الديني, فإنك سترى التاريخ بأبهى وأروع صوره مجسدا في تلك البقعة الصغيرة من "غزة القديمة", لكن ما أن تتوغل داخلها شيئا فشيئا حتى تصدم من حالها الذي أصبح يرثى له, بيوت أثرية من المفترض أن تزينها النقوش والفن المعماري الإسلامي تتناثر حجارتها هنا وهناك, تحولت إلى مكبات للطيور النافقة وللنفايات التي تحرق فيها لتتحول جدرانها بنقوشها وفسيفسائها الجميلة إلى لون اسود داكن جراء النيران والدخان, وأخرى أصبحت حمامات عشوائية لقضاء الحاجة لمن أراد خرابة ليستخدمها كبيت لراحته دون اكتراث لتاريخها وأهميتها وللذوق العام, وأخرى نالت الدواب حظا منها حيث أصبحت مستقرا لها بجميع أنواعها من خيول وحمير في نهاية كل يوم تخرج فيه تلك الدواب للعمل.
"عبد الرحمن محمود أبو شعبان", شاب يقطن في غزة القديمة حيث يعود ملكية بيت اثري مهملة لهم, يقول عبد الرحمن والحزن يبدو في نبرة حديثه" المبنى هو اثري قديم, نحن من المالكين ومعنا ورثة آخرين, كنا في السابق نهتم فيه لأنه يمثل اثر تراثي تاريخي عريق خاصة أن آثار قطاع غزة الآن هي محدودة جدا وخاصة أن المبنى موجود في سوق اثري قديم أيضا, وكنا نذهب إلى وزارة الآثار باستمرار كي تولي اهتماما بها ولكنها لم تكن تهتم بمثل هذه المباني كثيرا, لكن الخلافات بين الورثة على هذا المنزل الأثري هو الذي لم يشجع أحد أن يضع حجرا بها أو إعادة ترميمها, لكن لو توجهت وزارة السياحة والآثار للورثة لأخذ الموافقة منهم لإعادة ترميمها واستغلالها أفضل من أن تكون مكبا للنفايات فلن يقولون شيئا"
ويضيف عبد الرحمن منتقدا الحكومة السابقة والبلدية الحالية " في عهد وزارات الآثار السابقة تم تجريف العديد من البيوت الأثرية دون محاسبة لكن وزارة الآثار في حكومة غزة أولت اهتمامها في مثل هذه البيوت وقد قامت بترميم بعضا منها مثل بيت آل العلمي في غزة القديمة, وألوم البلدية لأنها لا تهتم, فمن المفترض أن تهتم أكثر وتمنع الناس من رمي القمامة هنا وحرقها وعليها توجيه المخالفات لكل من يخترق المنع"
محاولات للاهتمام..
مركز إيوان أحد المؤسسات التي تهتم في التراث المعماري والذي يتبع إلى كلية الهندسة بالجامعة الإسلامية في غزة انشأ في العام2000م كوحدة متخصصة للعناية بالمباني التاريخية في مدينة غزة وكان لها عدة مشاريع, بداية كان ترميم حمام السمرة وبعدها كان لها عدة مشاريع أخرى كالعناية في المباني التاريخية في البلدة القديمة, وعلى أهمية التراث والآثار بالنسبة للعالم يقول الدكتور "عبد الرحمن محمد" مدير مركز إيوان لعمارة التراث وعضو هيئة التدريس في قسم الهندسة المعمارية بكلية الهندسة في الجامعة الإسلامية " هناك اهتمام عالمي بهذا الأمر من قبل المؤسسات الدولية المختلفة من اليونسكو والمركز العالمي للتراث التابع لها والصليب الأحمر والكثير من المؤسسات التي لنا معها اتصالات وكان آخرها المؤتمر الدولي للعناية بالتراث المعماري بدعم من اليونسكو واتحاد المقاولين الفلسطينيين للاحتفال بيوم التراث العالمي من تاريخ 18_20/4 والذي يعقد كل عامين وهناك احتفال كل سنة بهذا اليوم الهام وهو بوم التراث العالمي لأنه يؤكد على أهمية التراث المعماري وتأثيره في تعزيز السلم والأمن في المجتمع ويزيد التفاهم بين الحضارات والشعوب المختلفة من خلال التبادل الثقافي"
مشكلة ورثة..
كما أكد العديد سواء من السكان أو الجهات الرسمية وغير الرسمية فان هناك العديد من المشاكل التي تعترض مشكلة ترميم المباني الأثرية منها الحصار وقضية تعدد الورثة, وهذا ما يؤكده الدكتور محمد خلة المدير العام في وزارة السياحة والآثار " بالنسبة للبيوت الأثرية فان المشكلة التي نعاني منها هي ورثة هذه البيوت والتي تلعب دور كبير في إعاقة عملية ترميم هذه البيوت والمحافظة عليها, فتجد خمسين وريثا فتعقد الأمور بشكل كبير, كثير من القائمين على البيوت يرفض أن نتدخل فيها بحجة انه لا يريد فتح باب ونظرة الورثة لهذه البيوت, والشئ الآخر هو الاغلاقاات, لكن لدينا في الوزارة قمنا بتسجيل جميع البيوت الأثرية ونقوم بالاتصال في جميع الجهات والبلدية ومركز إيوان بالجامعة الإسلامية ومؤسسات خيرية وداعمة, ونقوم بالتعاون مع اليونسكو بشكل غير مباشر عن طريق مؤسسات أهلية حتى نقوم بالمحافظة على هذه البيوت وترميمها"
وفي هذا يقول أيضا عضو المجلس التشريعي وعضو لجنة الحكم المحلي والأمن والداخلية ولجنة القدس بالمجلس ونائب مدير الدائرة الفنية سابقا في بلدية غزة الأستاذ جمال سكيك " الملكيات التي آلت منذ مئات السنوات إلى بعض الناس أصبحت موزعة على كثير منهم بحيث انه ليس هناك شخص محدد منهم مالك كامل لهذا العقار وبناء عليه فان البلدية لا تتدخل لان هذا يخص الآخرين, لكنها تتدخل إذا ما كان هذا المبنى معرضا للانهيار فإما تحاول سنده بطريقة أو بأخرى للحفاظ عليه أو بهدمه حتى لا يقع على السكان"
غزة واختفاء تراثها المعماري..
يؤكد الدكتور عبد الرحمن محمد على أن غزة كانت تمتلك آثارا وتراثا من أجمل ما يكون في المنطقة العربية لكن عوامل كثير لعبت دورا كبيرا في اختفاءها,حيث يقول " مدينة غزة القديمة ربما لا يعرف الكثير أنها كانت مدينة ذات طابع معماري راقي جدا وكان حجمها ومساحتها داخل أسوارها قديما اكبر من مدينة القدس القديمة الحالية, وكان فيها من العمران ما يشهد على عظمته الكبيرة من البقايا القليلة الباقية في البلدة القديمة, إلا إن الظروف الصعبة التي مرت بها المدينة وبالذات أنها كانت بوابة الاحتلال البريطاني لفلسطين في الحرب العالمية الأولى أثرت عليها, اذ قامت غزة بصد حملتين عسكريتين رئيسيتين للجنود البريطانيين القادمين من مصر بكل بسالة وشجاعة ولكن للأسف شاءت أقدار الله تعالى إلا أن تكون حملة ثالثة ضد المدينة التي هدم فيها المسجد العمري وهدمت مئذنته, حيث كانت الحملة الأولى سنة 1917م في شهر ابريل والثانية سبتمبر والثالثة في نهاية العام, ومن ثم في العام 1918بدا التوغل في احتلال فلسطين" ويضيف الدكتور عبد الرحمن " فكان طوال فترة الانتداب والحكم المصري والحروب الكثيرة والإغلاق والحصار الذي يعاني منه قطاع غزة له اثر كبير في تدهور المدينة بشكل عام مع نمو السكان وظروف أوضاع اقتصادية صعبة جدا فلجأ الناس بسبب قلة الوعي أيضا في أهمية هذا العمران إلى هدم هذه البيوت الأثرية وبناء بيوت من الخرسانة المسلحة بدلا منها مما يمنحهم إمكانية البناء في طوابق متعددة وبالتالي توفير عدد من الشقق اكبر للعائلة لاستيعاب الزيادة السكانية, وبالطبع لم يكن حكومة وجهات وطنية تهتم في هذا الأمر لان البلد في وضع احتلال, وفي فترة الاحتلال الإسرائيلي كانت هي فترة مؤثرة جدا حيث لم يكن هناك من احد يهتم في هذا الأمر لأنه أمر وطني يحتاج إلى مؤسسات وطنية تنبه لأهميته وتحافظ عليه وتقدم الدعم المالي وهذا ما يجري في دول العالم الأخرى ولكن نحن رغم كل هذا الصعوبات نحاول بقدر الإمكان أن نحافظ على ما هو متبقي"
هدم مستمر ... ولا قوانين رادعة..
القوانين السارية المفعول كما يؤكد الدكتور عبد الرحمن في قطاع غزة هي ما زالت قوانين تخطيط المدن التي وضعت أيام الانتداب البريطاني وبالذات قانون رقم28 لسنة1936م و مازال ساري المفعول حتى الآن ولا يوجد هناك قانون تنظيم وتخطيط مدن فلسطيني, ويؤكد على انه "رغم أن هناك برود في هذا القانون للعناية في الموروث التاريخي والمباني التاريخية في البلدة القديمة إلا أن تطبيق هذه القوانين لم يتم بصورة مجدية وبالذات في ظل الظروف الصعبة وبالتالي الموضوع يحتاج من جهة إلى قوانين ويحتاج من جهة أخرى إلى توعية لكن في ظل الظروف الحالية لا يوجد للأسف أي ضابط على الإطلاق, والمتبقي من البيوت هو قليل جدا لا يكاد يصل إلى 300 بيت وهو كل ما بقي في البلدة القديمة من أرقام كانت بالآلاف من البيوت والأسواق والحمامات ومساجدها وزواياها وكل عناصرها المعمارية, فهذه البيوت عددها محدود جدا تسكنها عائلات في اغلبها ليست هي المالكة وإنما مستأجرة في ظل ظروف اقتصادية صعبة جدا لكن نسمع من بعض الملاك أنهم بصدد هدم بيوتهم وبناء بيوت غيرها لكن من حق البلدية أن تتدخل بموجب قانون تنظيم الأبنية والمدن والقرى ومن حق جهات أخرى أن تتدخل لكن اعتقد الظروف الاقتصادية الصعبة هي تقف عقبة في هذا المجال وتؤثر فيه"
استيطان سكاني ..
أما في مدينة خانيونس الواقعة جنوب قطاع غزة فقد تعرضت القلعة والتي كانت تعتبر من أجمل التحف المعمارية الموجودة في قطاع غزة إلى كارثة أدت إلى اندثارها بشكل شبه كامل, حيث استوطن فيها السكان من بعض عائلات خانيونس بشكل غير قانوني كما يؤكد في هذا المجال المستشار مهندس محمد الفرا رئيس جمعية القلعة لرعاية التراث " هناك مجموعة من العائلات التي استوطنت في قلب مساحة القلعة دون وجه حق ودون ملكية, وهنا أتحدث عن وقف إسلامي لا يجوز امتلاكه أو التعدي عليه ولا يجب تركه هكذا دون الاهتمام فيه" و يتحدث في هذا السياق عن وجود قرارات ملزمة من أيام الانتداب البريطاني مرورا بأيام الحكم المصري مرورا إلى وصول السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة تلزم من تعدى على القلعة واتخذها مسكنا له بالخروج منها وإزالة التعديات عنها.
وفي هذا الصدد كشف المهندس الفرا النقاب عن مشروع ينتظر إفراغ القلعة ممن استوطن بها من سكان وإزالة التعديات عنها لإعادة اعمارها حيث يقول " مبنى قلعة برقوق أية من آيات المعمار الإسلامي وهي تدرس في كليات العمارة بمصر كمبنى متكامل يحتوي على فندق ومسجد وأسواق وإسطبل لدواب القوافل, والمشروع يتمثل في إعادة بناء القلعة حسب مخططها الذي أعدنا تصميمه حسبما كانت عليه في السابق, وسيكون مشروعا دوليا كبيرا ومؤثرا في اقتصاد المدينة أيضا"
وتؤكد وزارة السياحة والآثار في هذا الصدد بوجود العديد من التعديات على الآثار والتراث المعماري في قطاع غزة حيث يؤكد الدكتور محمد خلة أن الوزارة لم تستطع القيام بإجراءات رادعة بهذا الخصوص على الرغم من بعض المحاولات, ويضيف " بالنسبة للتعديات, فهناك تعديات كبيرة جدا في الكثير من المواقع الأثرية من قبل السكان منذ فترة بعيدة جدا ونحن في الوزارة نعمل جاهدين لوقف هذه التعديات بكل أشكالها وما يتيحه لنا القانون في ذلك, المشكلة أن السكان داخل القلعة لهم ملكية شخصية للبيوت في قلعة برقوق بمدينة خانيونس من خلال امتلاكهم لأوراق ثبوتية تثبت ملكيتهم, لكن ما استطعنا عمله هو التصريح للسكان ببناء فقط ثلاثة طبقات بالحد الأقصى لأي منزل داخل القلعة حتى لا يغطي على واجهة القلعة المتبقية"
ومواصلة للتجاوزات ضد تاريخ قطاع غزة فيقول الدكتور خلة "هناك بيوت وجدنا أنها بنيت بترخيص في حين انه كانت وزارة السياحة والآثار السابقة بمقدورها أن تمنع ولكن للأسف بطريقة أو بأخرى كانت الأمور تسير وللأسف ازدادت التعديات بهذا الشكل وكذلك ازدادت التعديات خلال فترة الفوضى الأمنية التي كانت موجودة وغياب القانون, أما الآن في وزارة الآثار فإننا نمنع أي تعديات جديدة ونحاول قدر المستطاع تعويض من يخرج من القلعة وباقي المواقع الأثرية المتعدى عليها ويكون التعويض بأي شكل سواء بأراض أو بالمال وبالمعظم يكون بالأرض بالتعاون مع سلطة الأراضي"
وهكذا يتواصل التعدي على تراث وتاريخ قطاع غزة دون اكتراث رغم المحاولات الخجولة التي تقوم بها بعض الجهات الرسمية والأهلية أيضا, ويبقى هذا التاريخ مغتصبا من قبل أناس لم يعرفوا قيمته ومكب للنفايات ومستقر للدواب بعد أن كان يزخر بدفء الحضارة ومستقر صانعيها....
|